الشيخ الصدوق
المقدمة 148
الإعتقادات ( تحقيق مؤسسة الهادي ع )
وربّما وكل علم المعنى إلى العقول أن يتأمّل الكلام . ولا أعلم عبارة عن معنى فرض الطاعة أوكد من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم » ؟ ثمَّ قوله : « فمن كنت مولاه فعلي مولاه » لأنّه كلام مُرَّتب على إقرار المسلمين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يعني الطاعة ، وأنّه أولى بهم من أنفسهم ، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم : « فمن كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه » لأنّ معنى « فمن كنت مولاه » هو : فمن كنت أولى به من نفسه ، لأنها عبارة عن ذلك بعينه ، إذ كان لا يجوز في اللّغة غير ذلك . ألا ترى أنَّ قائلًا لو قال لجماعة : أليس هذا المتاع بيننا نبيعه ونقتسم الربح والوضيعة فيه ؟ فقالوا له : نعم . فقال : « فمن كنت شريكه فزيد شريكه » كان كلاماً صحيحاً ؟ والعلّة في ذلك أنَّ الشركة هي عبارة عن معنى قول القائل : « هذا المتاع بيننا نقتسم الربح والوضيعة ؛ فلذلك صحَّ بعد قول القائل : فمن كنت شريكه فزيد شريكه . وكذلك هنا صحَّ بعد قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « ألست أولى بكم من أنفسكم فمن كنت مولاه فعلي مولاه » لأنَّ « مولاه » عبارة عن قوله : « ألست أولى بكم من أنفسكم » وإلّا فمتى لم تكن اللفظة التي جاءت مع الفاء الأولى عبارة عن المعنى الأوّل ، لم يكن الكلام منتظماً أبداً ولا مفهوماً ولا صواباً ، بل يكون داخلًا في الهذيان ، ومن أضاف ذلك إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم كفر باللَّه العظيم . وإذا كانت لفظة « فمن كنت مولاه » تدلّ على « من كنت أولى به من نفسه » على ما أريناه ، وقد جعلها بعينها لعلي عليه السلام ، فقد جعل أن يكون علي عليه السلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وذلك هو الطاعة لعلي عليه السلام كما بيّناه بدءاً . وممّا يزيد ذلك بياناً أنَّ قوله صلى الله عليه وآله : « فمن كنت مولاه فعلي مولاه » لو كان لم يُرد بهذا أنّه أولى بكم من أنفسكم ، جاز أن يكون لم يُرد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « فمن كنت مولاه » أي من كنت أولى به من نفسه ، وإن جاز ذلك لزم الكلام الذي من قبل هذا من أنه